باتت خطط ترامب المتعلقة بالرسوم الجمركية واضحة المعالم الآن، لكنها تبقى عرضة للتقلبات المزاجية المفاجئة، وربما كان الغموض الذي اكتنف هذه الخطط سابقاً أفضل للجميع.
لقد جاءت الرسوم التي أعلنها ترامب فيما أسماه «يوم التحرير» غريبة تماماً حيث صاغها وفقاً لمعادلة حسابية تستند إلى العجز التجاري، متصوراً أن معالجة اختلالات الحساب الجاري لا تتطلب سوى تعديل السياسة التجارية، والأدهى من ذلك أن واشنطن ستفرض، على ما يبدو، تعريفات جمركية على صادرات قادمة من جزيرتي هيرد وجزر ماكدونالد - وهما أرخبيل بركاني مهجور قرب القطب الجنوبي لا يقطنه سوى طيور البطريق .
- وكذلك دييغو غارسيا التي تمثل بالأساس قاعدة عسكرية أمريكية، وفيما تشير النظريات الاقتصادية إلى أن التعريفات الجمركية تؤدي عادة إلى ارتفاع قيمة العملة لتخفيف آثارها السلبية، فقد سلك الدولار الأمريكي مساراً معاكساً منخفضاً وذلك في انعكاس لهذه السياسة المضطربة والعشوائية.
إن ما نشهده اليوم لا يعكس أزمة شاملة في مصداقية التجارة العالمية والعولمة، بل هو على ما يبدو مرض محلي. فرغم تبني الديمقراطيين بقيادة بايدن لجانب كبير من إرث سياسات ترامب الجمركية خلال ولايته الأولى، إلا أنهم اعتمدوا على الأقل منطقاً متماسكاً نسبياً في سياستهم الصناعية.
ولم يتحول الحزب الجمهوري بأكمله بالضرورة إلى مناصر متحمس للسياسات الحمائية، لكن هناك توجه متزايد نحو التطرف، بدأ منذ أن قاد ريتشارد نيكسون الحزب نحو اليمين في ستينيات القرن الماضي.
وتؤدي الصدفة والأحكام المسبقة والنتائج غير المتوقعة دوراً أكثر محورية في فهم خلل سياسة التعريفات الأمريكية مما توحي به القراءات الكبرى للتاريخ الاقتصادي.
فقد تحولت ما كان يطلق عليها آنذاك - «تعريفة 1828 البغضاء» التي رفعت الضرائب على الواردات الصناعية بصورة هائلة وكادت تدفع كارولينا الجنوبية للانفصال عن الاتحاد بسبب تأثيرها المدمر على تجارتها الزراعية، إلى قانون نافذ بمحض المصادفة، إذ أدرج مشرعون من ولايات الجنوب الزراعية بنوداً تخريبية لإفشال مشروع القانون، ثم شاهدوا بذهول كيف تم إقراره رغم تلك المحاولات.
وبالمثل، جسدت تعريفة «سموت-هاولي» سيئة السمعة عام 1930 نموذجاً للمناورات السياسية التي تتحول إلى كوارث غير محسوبة، حيث دفع الجمهوريون بتعريفات صناعية ضخمة لم تكن المصانع الأمريكية بحاجة فعلية إليها.
كصفقة مقايضة لتمرير إجراءات حمائية للمزارعين، غير مدركين أن الدول الأخرى ستطلق سلسلة من الإجراءات الانتقامية المماثلة، لتنشأ دوامة عالمية من السياسات الحمائية فاقمت بشدة من مأساة الكساد الكبير.
إن ما نشهده حالياً ليس مجرد خطأ تكتيكي عابر. وإذا كان هناك من يمتلك الحكمة والنضج ضمن فريق ترامب الاقتصادي، فهم مغيبون تماماً عن دوائر صنع القرار.
ومن أبرز هؤلاء كيفين هاسيت، الخبير الاقتصادي المؤمن بمبادئ التجارة الحرة التقليدية والذي قدم استشاراته لجورج دبليو بوش وميت رومني، لكنه يبدو عاجزاً أو ربما غير راغب في إيقاف هذه الفوضى العارمة.
وكان من المفترض أن يكون وزير الخزانة سكوت بيسنت صوت الأسواق المالية في الإدارة، لكنه تجاهل ذلك تماماً، فالدفة الحقيقية يديرها ترامب شخصياً الذي يحمل منذ ثمانينيات القرن الماضي نظرة خاطئة للتعريفات الجمركية مبنية على قياسها بمنطق الربح والخسارة في عالم الشركات، إلى جانب المحارب التجاري بيتر نافارو الذي يبدو الأقرب للتأثير في قرارات الرئيس.
وفي ظل وجود رئيس من عائلة بوش، كان من الممكن أن يميل العديد من الجمهوريين الحاليين في الكونغرس للحفاظ على نظام تجاري منفتح نسبياً، فجون ثيون من ولاية ساوث داكوتا، الذي انتخب زعيماً للأغلبية في مجلس الشيوخ في نوفمبر الماضي، يتبنى وجهات النظر التقليدية بشأن ضرورة إبرام المزيد من اتفاقيات التجارة لفتح الأسواق الخارجية، لكنه أخفق تماماً، شأنه شأن معظم أعضاء كتلته، في استعادة الدور الدستوري للكونغرس في رسم السياسة التجارية.
العزاء الوحيد أن بقية دول العالم تبدو أقل ميلاً بكثير لمحاكاة النهج الأمريكي مقارنة بثلاثينيات القرن الماضي، حين كان معيار الذهب الدولي يتسبب بأضرار عميقة ويدفع صناع السياسات نحو ردود فعل متطرفة، ومن المرجح أن يكون الاتحاد الأوروبي وحده من سيرد بتعريفات وقيود استيرادية مقاربة للمعادلة دولاراً بدولار، لكن بروكسل لا ترغب قطعاً في إقامة حواجز تجارية مرتفعة ودائمة مع بقية العالم.
ومن الجيد أن الولايات المتحدة تستحوذ اليوم على حصة أقل من الاقتصاد العالمي مقارنة بثلاثينيات القرن الماضي، كما أصبحت مخاطر السياسات الحمائية مفهومة بصورة أفضل بكثير عن ذي قبل.
وبالطريقة نفسها التي أذكى بها ترامب مشاعر الوطنية الكندية وأيقظ الوعي الجيوسياسي لدى الزعماء الأوروبيين، فإن إجراءاته التعريفية ستشكل على الأرجح إشارة تحذيرية قوية للحكومات الأخرى أكثر منها حافزاً للانضمام إلى واشنطن في «اتفاق مار الاغو» الوهمي لإعادة ترتيب العملات العالمية.
إن تعريفات دونالد ترامب لا يمكن وضعها في أي غلاف منطقي، فهي ليست جزءاً من سياسة صناعية مدروسة بعناية، ولا استراتيجية ذكية لفرض الانصياع على الشركاء التجاريين، ولا مشهداً منسقاً من الفوضى لبث الرعب في قلوب الحكومات الأخرى لإجبارها على الطاعة. إنها ببساطة عشوائية واضحة، يتحمل مسؤوليتها الجماعية أجيال متعاقبة من السياسيين الأمريكيين الذين سمحوا للأوضاع بالتدهور حتى وصلت إلى هذه النقطة الحرجة.